ابن حزم

604

الاحكام

سخيا يتهادى بين ابنيه فقال : ما بال هذا ؟ قالوا : نذر أن يمشي ، قال : إن الله عن تعذيب هذا لنفسه لغني وأمره أن يركب . ثم نظرنا فيما احتجوا به من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن إخلاف الوعد خصلة من خصال النفاق فوجدناهم لا حجة لهم فيه . أول ذلك الحنفيين والمالكيين المخالفين لنا في كثير من هذا الباب - مع عظيم تناقضهم في ذلك - مجمعون على أن من قال لآخر : لأهبن لك غدا دينارا ، أو سأهبك اليوم هذا الثوب ، وما أشبه هذا ، فإنه لا يقضي عليه بشئ من ذلك عندهم ، فهم أول تارك لما احتجوا به ، وأما نحن فإننا رأينا الله عز وجل قد أسقط الحكم عمن وعد آخر أن يعطيه شيئا سماه ، وأكد ذلك باليمين بالله تعالى : ثم لم يفعل ، فلم يلزمه الله عز وجل إلا كفارة اليمين فقط ، لا الوفاء بما وعد ، ولم يجعل عليه في ذلك ملامة ، ثم وجدنا الله تعالى يقول : * ( ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا ) * . فصح بهذا أن من وعد وعدا ولم يقل إن شاء الله ، فهو عاص لله عز وجل ، مخالف لامره ، وإذا كان قوله ذلك معصية لله تعالى فهو مردود غير نافذ . ثم إننا وجدناه إن وعد وقال : إن شاء الله ، فقد استثنى مشيئة الله تعالى ، وبالضرورة ندري أن كل ما شاء الله تعالى كونه فهو واقع لا محالة ، قال الله عز وجل : * ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) * وأن كل ما لم يكن فإن الله تعالى لم يشأ كونه ، فإذا لم يفت هذا الواعد بما وعد ولو يوجبه إلا أن يشاءه الله تعالى ، فقد أيقنا ضرورة أن الله تعالى لم يشأ كونه فلم يخالفه عقده ، لأنه لم يوجبه إلا بمشيئة الله تعالى لم يشأها عز وجل . فصح بهذا يقينا أن الوعد الذي يكون إخلافه خصلة من خصال النفاق ، إنما هو الوعد بما افترض الله تعالى الوفاء به ، وألزم فعله وأوجب كونه ، كالديون الواجبة ، والأمانات الواجب أداؤها ، والحقوق المفترضة فقط ، لا ما عدا ذلك ، فإن هذه الوجوه قد أوجب الله تعالى الوعيد على العاصي في ترك أدائها ، وأوقع الملامة على المانع منها ، وأمر بأدائها ، وإن كان عز وجل لم يرد كون ما لم يكن منها ، ولا حجة لنا على الله تعالى ، بل لله الحجة البالغة ، فلو شاء الله لهداكم أجمعين .